تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

54

مباحث الأصول

تقديم جانب الإلزام ، أو أنّ نفس تلك النكتة التي اقتضت تقديم جانب الترخيص في الشبهات البدويّة ، وهي المطابقة لمرتكزات العقلاء مثلا ، اقتضت هنا العكس . وقد يفرض أنّ الغرض الترخيصيّ لم يتعلَّق بمطلق إطلاق العنان ، بل تعلَّق - كما هو الظاهر المحدوس - بإطلاق العنان تجاه المباحات الَّذي لا يساوق إطلاق العنان تجاه المحرّمات ، بأن يكون العبد - بعد فرضه غير مطلق العنان بلحاظ المحرّمات - مطلق العنان بلحاظ المباحات . وعليه ففي مورد الشكّ البدويّ يحتمل المولى ثبوت الغرض الترخيصيّ ، بأن يكون المشكوك في الواقع حلالا ، لكن في مورد العلم الإجماليّ لا يحتمله ، لأنّ الترخيص - ولو في أحد الجانبين تخييرا - مساوق لإطلاق العنان بوجه من الوجوه تجاه المحرّمات . وهذا واضح لو فرض أنّ المقصود بمساوقة الترخيص للترخيص تجاه الحرام مساوقته له ولو في نظر العبد . وأمّا لو كان المقصود مساوقته له في نظر المولى وفي الواقع ، فهنا قد يستشكل في المقام بأنّه ليس كلّ علم إجماليّ حصل للعبد لا بدّ أن يكون مطابقا للواقع ، وتامّا في نظر المولى . وعليه فقد يقع التزاحم بين الأغراض حتى في مورد العلم الإجماليّ بنحو يوجب تقديم جانب الترخيص . لكن لا يخفى أنّه لو دلّ دليل بالخصوص في أطراف العلم الإجماليّ على الترخيص ، أمكن أن يستكشف بذلك تزاحم الأغراض عند المولى ولو من باب تخطئته للعلوم الإجماليّة لعبده مثلا ، لكن لو كنّا نحن والدليل المتعارف ، لا يمكننا التعدّي إلى موارد العلم الإجماليّ ، لعدم الملازمة ، والعبد العالم بالعلم الإجماليّ يرى - لا محالة - أنّ هذا العلم مطابق للواقع ، وتامّ في نظر المولى ، وهذا نظير أنّه لا يتعدّى في الترخيص إلى موارد العلم التفصيليّ ، مع أنّه في موارد العلم التفصيليّ - أيضا - قد يكون علم العبد خاطئا في الواقع ، وعند المولى ، فيقع التزاحم بين الأغراض . الأمر الثاني : ارتكاز المضادّة بين الحكم الواقعيّ والترخيصيّ في الأطراف ، الَّذي أدركه الأصحاب بسلامة وجدانهم وإن تخيّلوه ارتكازا عقليّا ، فاختاروا المانع الثبوتي من جريان الأصول ، ونحن قلنا : إنّه ارتكاز عقلائيّ ناشئ من تعايشاتهم العقلائيّة ، لا من عقلهم صرفا ، وهذا الارتكاز - بعد أن علمنا من ظاهر أدلَّة الأصول ، أو من الخارج أنّها ليس بصدد نسخ الحكم الواقعيّ ونفيه - يصبح قرينة على عدم إرادة الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ ولو بنحو الضيق في المحمول .